فوزي آل سيف
50
من قصة الديانات والرسل
إن من يكون من ذريته النبيُّ المصطفى سيد خلق الله تعالى يكفيه ذلك لأن يستطيل بهذا الشرف على الأعناق! كيف فإذا أضيف إليه سائر أنبياء بني اسرائيل من إسحاق ويعقوب ويوسف، ثم موسى وهارون، وداود وسليمان وسائر الأنبياء والأوصياء.. فالأمر يكون أعظم وأعظم. لقد عبر القرآن الكريم عنه بأنه أمة (إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[152] ولا غرابة في ذلك فبعد أن حطم أصنام الوثنية في موقف خلده القرآن، أقام بيده وابنه صرح التوحيد في هذه الأرض، وبنى الكعبة المشرفة من جديد بعدما كانت قد تهدمت فرفع قواعدها من جديد (وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإسماعيل رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127). ولذلك فنحن نتعجب جدا أنه مع هذه المنزلة العظيمة قد ورد في بعض صحاح المسلمين نسبة الكذب في ثلاثة أمور![153]ونحن نعتقد أن هذا من تسرب الاسرائيليات إلى كتب المسلمين عبر بعض علماء اليهود الذين أسلموا وتمكنوا من تبوء مواقع التوجيه الديني والحديث مع المسلمين باعتبارهم أهل العلم. سواء كان هذا التسرب بقصد منهم وبغير قصد. ولادة نبي الله إبراهيم: كانت ولادة نبي الله إبراهيم عليه السلام في العراق في بلدة اسمها القديم أور الكلدان وقد يعبر عنها باسم كوثى وفي الجغرافية الحديثة تعادل أطراف بلدة الناصرية في جنوب العراق. والد إبراهيم عندنا الإمامية هو تارخ بحسب ما ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام وهو الاسم الموجود في سفر التكوين في التوراة، وأما عند غير الامامية من المسلمين فوالده هو آزر وقد استندوا إلى ظاهر بعض الآيات القرآنية مثل قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ إبراهيم لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).[154] واعتقادنا الامامية أن آباء الأنبياء لم يكونوا كافرين[155]وهذا يقتضي انتخاب الله سبحانه وتعالى لأنبيائه بل وأوصيائه وأوليائه من الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة والموحدين وذلك كي لا يتأثر هؤلاء بعوامل الوراثة السيئة. وُلد النبي إبراهيم في زمان الملك الجبار النمرود وكانت الديانة الرسمية التي كانت في ذلك الوقت عبادة الكواكب والنجوم، ويشير بعض الباحثين إلى أن عبادة الكواكب والشمس والقمر
--> 152 النحل: 120 153 الحديثُ الذي رواه في صحيحيهما البخاريُّ 4/ 112 ومسلمٌ 7/ 98عن أبي هريرة أن النبيَّ قالَ (لَمْ يَكْذِبْ إبراهيم النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّـلامُ قَطُّ إِلا ثَلاثَ كَذَبَاتٍ؛ ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ: قَوْلُهُ (إِنِّي سَقِيمٌ) وَقَوْلُهُ (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا)، وواحِدة في شأن سَارة لما قال للملك أنها أخته.. ورواه في مسند أحمد 1/281 في باب الشفاعة وساق الحديث شبيها بما سبق. قال ابن حجر العسقلاني في كتابِه فتح الباري بشرح صحيح البُخاري 6/ 378 "وأما إطلاقه الكذب َعلى الأُمور الثلاثَة؛ فلكونه قال قولاً يـعتقده السَّامع كذبا، لكنَّه إِذَا حَقَّقَ لَمْ يَكُنْ كَذِبا لأنه مِن باب المعاريضِ المُحتملةِ للأمرينِ فليسَ بكذب محْض" وهذا معناه أنه استبشع نسبة الكذب إليه، عليه السلام وذهب إلى ما قرره محققون من أنه من باب التورية! والتورية خارجة موضوعا عن الكذب. وأن ما نسب من الكذب له في الرواية لا يمكن قبوله. 154 الأنعام: 74 155 في خصوص والد النبي إبراهيم يقيم الامامية شواهد على لزوم أن يكون غير كافر ويلزم منه ألّا يكون آزر: فمن ذلك أنه لو كان والده كافرا لكان أحد آباء رسول الله كافرًا بينما الاجماع قائم على كون آبائه موحدين مع ملاحظة أن والد إبراهيم يكون أحد أجداد النبي. وذكروا أيضًا أن كلمة الأب قد تطلق على العم في لغة العرب، مثلما ورد في القرآن أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إبراهيم وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (البقرة: 133 فإن اسماعيل ليس من آباء يعقوب وإنما هو عم له. وهذا بخلاف كلمة (والد) فإنها لا تستعمل على نحو الحقيقة إلا في الأب النسبي، ولذلك قال إبراهيم (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) إبراهيم:41 وكان هذا في أواخر حياته وبعدما بنى الكعبة ورزق بابنيه اسماعيل واسحاق.. وأدلة أخرى تطلب من مظانها.